languageFrançais

صفرة: مشاكل الرياضيات تمس مستقبل تونس الإقتصادي لا فقط النظام التعليمي

اعتبر الخبير الاقتصادي والسياسي منجي صفرة، خلال قراءة تحليلية لنتائج الدراسة الاستراتيجية بعنوان: «الرياضيات في قلب التنمية في تونس: التشخيص والرهانات واستراتيجية الإصلاح»، التي قُدمت يوم الخميس 16 جويلية 2026، أن المشاكل الكبرى التي تعاني منها مادة الرياضيات في تونس لا تمسّ المنظومة التربوية فحسب، بل تهدد أيضًا مستقبل الاقتصاد التونسي.

العودة لمعدل محترم في مؤشر PISA يمكن تونس من  نمو سنوي ب 2 %

وأكد أن النمو الاقتصادي على المدى الطويل يرتكز على ثلاثة عوامل أساسية، هي: الاستثمار، والنظام الديموغرافي، والتطور التقني، مشيرًا إلى أن الاقتصاد التونسي يشهد منذ سنوات تباطؤًا في النمو، وهو ما يجعل نسبة النمو، حتى مع دعم القطاع الفلاحي، لا تتجاوز 1 بالمائة.

وأضاف منجي صفرة، أنه لو أحسنت تونس استغلال القدرات التعليمية الأساسية لمواردها البشرية، واعتمدت مسارًا تعليميًا وصحيًا عالي الجودة، لتمكنت من تحسين ترتيبها في مؤشر PISA وغيره من المؤشرات الدولية مقارنة بعديد الدول. 

وشدد على أن تونس خسرت نحو 50 بالمائة من إمكاناتها بسبب ضعف جودة التعليم والصحة، وهما مجالان يرتبطان ارتباطًا وثيقًا بتنمية مواردها البشرية، معتبرًا أن الارتقاء بجودة التعليم لا يمكن أن يتحقق دون إيلاء الرياضيات المكانة التي تستحقها.

وأشار صفرة إلى أن عبد الرحمن ابن خلدون كان سبّاقًا، منذ القرن الرابع عشر، في إبراز قيمة الرياضيات، حين اعتبر أن ازدهار الرياضيات يواكب ازدهار المجتمعات وتنظيمها، وهي الفكرة التي أعاد التأكيد عليها العالم غاليليو غاليلي في القرن السابع عشر.

وفي سياق متصل، أوضح منجي صفرة، أن نتائج التلاميذ التونسيين في مادة الرياضيات، التي لا تتجاوز 100 نقطة في بعض التقييمات الدولية، تُعد مؤسفة، معتبرًا أن إصلاح هذا القطاع يمكن أن يرفع نسبة النمو الاقتصادي بنحو نقطتين.

كما عبّر منجي صفرة عن أسفه لتراجع ترتيب تونس في الرياضيات مقارنة بدول أخرى، رغم أنها كانت من الدول المتقدمة في هذه المادة خلال سنوات سابقة. وأرجع هذا التراجع إلى ما وصفه بسياسات تعليمية أضعفت المنظومة التربوية، من بينها دمج التكوين المعمق مع التكوين المهني، وتوجيه جميع التلاميذ نحو مرحلة الباكالوريا، إلى جانب التخلي عن مسارات تعليمية كانت تميز بين شهادة التقني وشهادة الباكالوريا، وهو ما انعكس سلبًا على مستوى التعليم في البلاد.

ضعف معدلات الرياضيات يُكلف تونس غاليا ومؤشرات غريبة بين البطالة وعدد الشهائد العليا

وشدد على أن أولى الأهداف التي ينبغي أن تركز عليها تونس تتمثل في تنفيذ إصلاحات عاجلة على المدى القريب، بما يمكّنها من تجاوز حاجز 100 نقطة فارق في مؤشر PISA، وبلوغ مستوى يقارب 450 نقطة في مؤشر المهارات المعرفية، وهو المعدل الذي تحققه دول مماثلة لتونس. وأوضح أن تحقيق هذا الهدف من شأنه أن يدعم النمو الاقتصادي بنحو 2% سنويًا، إلى جانب المساهمة في مضاعفة الإنتاجية.

كما شدد منجي صفرة على أن ضعف النتائج في مادة الرياضيات يكلّف تونس خسائر اقتصادية واجتماعية كبيرة. وأشار إلى أن 25% من العاطلين عن العمل من حاملي شهادة الباكالوريا يفتقرون إلى التكوين التقني وإلى الكفاءات الرياضية اللازمة للاندماج في سوق الشغل، وذلك في ظل بلوغ نسبة البطالة الوطنية نحو 15%، في حين ترتفع نسبة البطالة في صفوف حاملي الشهادات العليا إلى 25%، وتبلغ مستويات أعلى لدى الفتيات.

ووصف هذه المؤشرات بأنها "غريبة ومرتفعة جدًا"، مبرزًا أن الوضع كان مختلفًا خلال فترة دراسته، إذ لم تكن نسبة البطالة في صفوف أصحاب الشهادات تتجاوز 3%، بينما كانت نسبة البطالة على المستوى الوطني تدور في حدود 15%. واعتبر أن من أبرز التداعيات السلبية لهذه المؤشرات تكبد تونس خسائر سنوية كبيرة في الناتج الداخلي الخام، نتيجة ضعف القيمة المضافة الناجم عن غياب المهارات والقدرات المتطورة التي تُعد الرياضيات ركيزة أساسية لاكتسابها وتطويرها.

هناء السلطاني